أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى

114

إيقاظ الهمم في شرح حكم سيدي أحمد بن عطاء الله السكندري

ومن ألقاه اللّه إلى شيخ التربية ، فلا يحتاج إلى شيء سوى الاستماع والاتباع ، فإذا خرج المريد من أخلاق البهائم تخلق بأخلاق الروحانيين ، كالزهد والورع ، والقناعة والعفة ، والغنى باللّه والأنس به . وإذا خرج من أخلاق الشياطين تخلق بأخلاق المؤمنين أو بأخلاق الملائكة كالتواضع وسلامة الصدور ، والحلم والسكينة ، والرزانة والطمأنينة ، والسهولة والليونة والخمول والاكتفاء بعلم اللّه والشفقة والرحمة ، وتعظيم الفقراء والمساكين ، وأهل النسبة وجميع الأمة ، والكرم والسخاء والجود والإخلاص والصدق ، والمراقبة والمشاهدة والمعرفة ، فإذا تخلّق العبد بهذه الأخلاق وتحقق بها ذوقا بعد أن تخلص من أضدادها ، كان عبدا خالصا لمولاه حرّا مما سواه ، وكان لندائه مجيبا ، ومن حضرته قريبا فإذا قال له ربه : يا عبدي قال له : يا رب ، فكان صادقا في إجابته لصدق عبوديته ، بخلاف ما إذا كان منهمكا في شهواته الظاهرة والباطنة ، كان عبدا لنفسه وشهواته ، فإذا قال : يا رب كان كاذبا إذ من أحب شيئا ، فهو عبد له وهو لا يحب أن تكون عبدا لغيره ، وإذا تخلص من رق الشهوات والحظوظ ، كان أيضا قريبا من حضرة الحق ، بل عاكفا فيها ، إذ ما أخرجنا عن الحضرة إلا حبّ هذه الخيالات الوهمية فإذا تحررنا منها وتحققنا بالعبودية وجدنا أنفسنا في الحضرة . واعلم أن هذه الأوصاف البشرية التي احتجبت بها الحضرة إنما جعلها اللّه منديلا لمسح أقذار القدر كالنفس والشيطان والدنيا ، فجعل اللّه النفس والشيطان منديلا للأفعال المذمومة وجعل البشرية منديلا للأخلاق الدنيئة ، وما ثم إلا مظاهر الحق وتجليات الحق ، وما ثم سواه ، ولا حول ولا قوة إلا باللّه . ثم إن هذه العيوب سبب بقائها في الإنسان باعتبار الحكمة هي الغفلة عن البحث عنها وسبب الغفلة عن البحث عنها ، هو الرضا عن النفس إذ لو أساء ظنه بها لبحث عن مساوئها فاستخرجها وتطهر منها ، فلذلك قال :